الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

197

القرآن نهج و حضارة

وإنما المحدودية في الإنسان فهو يأخذ من العلم حسب طاقاته وإمكانياته وقدرته ، وبما يحتاج إليه في مسيرة حياته فما يأخذه ما هو إلا القدر اليسير من العلم فيقول سبحانه وتعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا . « 1 » باعتبار أن الإنسان محدود في كل الاتجاهات ، فيكون حظه من العلم بمقدار حظه من الوجود ، ولكن العلم بحر واسع يمتد بامتداد الزمن ما دام الإنسان موجودا . فتتواصل المسيرة العلمية عبر المسيرة الزمنية بوجود الإنسان المتعاقب جيلا بعد جيل . ومع ذلك فان استلهام الإنسان العلمي وعطاءاته العلمية تبقى محدودة بحدود قدرته ، فالتقدم العلمي المذهل في عصرنا يدلل على أن قدراتنا العقلية والحسية لا تستطيع أن تحيط بالحقيقة المطلقة علما . وتبين أيضا أن المعرفة البشرية هي ليست كل ما لا تراه أجهزتنا ليس بموجود ، وربما ذلك إشارة إلى أن هناك علم آخر ، وهو علم الغيب وما وراء الطبيعة التي لا يصلها الإنسان ، كما يقول ربنا سبحانه وتعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ « 2 » ، ويقول أيضا : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ . « 3 » وكذلك يقول جل وعلا : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 4 » إلا في حدود ما أنتم فيه مع ذلك فان القرآن اعتمد العلم ، كما يقول سبحانه : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ . « 5 »

--> ( 1 ) سورة الإسراء آية 85 ( 2 ) سورة الأنعام آية 59 ( 3 ) سورة البقرة آية 255 ( 4 ) سورة البقرة آية 216 ( 5 ) سورة الأعراف آية 52